قراءة في وثيقة نينوى للدولة الاسلامية في العراق والشام

قراءة في وثيقة نينوى للدولة الاسلامية في العراق والشام

DER MTY

 

عمار الساعدي

النشرة العراقية

22/6/2014

لندن

اعلنت داعش حين اسقاطها الموصل تلك الايام الماضية عن وثيقة هى بمثابة اعلان عن اهداف هذا التنظيم ونمط احكامه وحكمه الجديد فى الموصل، وتضمنت هذه الوثيقة بعض النقاط الدينية منها فرض الحجاب، وهدم القبور وتسويتها، وضرورة ارجاع المال العام الى الحاكم الشرعى لدى التنظيم، وضرورة التوبة لمنتسبى الجيش والشرطة والا اعتبروا مرتدين ويعاقبون بالموت، وتكفير الطائفة الشيعية والتعبير عنهم بالروافض والحكم على على كل رافضى بالموت.

داعش – حاله كحال باقى التنظيمات السلفية المتشددة التكفيرية- تحاول ان تستخدم مفردات دينية وتشحنها بمضمون جديد من اجل اثارة خيال الجمهور المتعاطف معه، او السائر فى ركابه، وهذه المفردات يستقيها من التاريخ بشكل اساس لما للتاريخ من شحنات كهربية فى خيال المسلمين،

 

فالسلف الصالح، ودولة الخلافة، والوثيقة، التى تذكر بوثيقة المدينة التى وضعها النبى الاكرم (ص)، والجهاد، وكل تلك المفردات وغيرها انما تلعب دورا هاما فى شحن العواطف وسحر الجمهور .

الموصل مدينة معروفة التاريخ، هى مدينة لم تكن يوما مرتعا للسلفيات المتشددة، هى مدينة يعيش فيها التاريخ بكل تجاعيده، وترتسم على هضابها وتلالها بقايا الزمن البعيد، وتتناثر بين احنائها كنائس وآثار قديمة، فلاهى تربة تشدد، ولاهى حاضنة تزمت بطبعها، ولكن من المفهوم جدا ان يعيش ناسها اليوم ازمة تجعلهم يرحبون بهذه التنظيم المرعب، فالمشكلة هى فى احتقان يعيشونه، وجدوا فى هذا او ذاك التنظيم متنفساً يخلصهم ويشعرهم بان لهم مستقبلا يذكرهم بماضيهم القريب.

فهنا صورتان متناقضتان، صورة موصل المنفتحة على مرونة الزمن، وطيات التاريخ المتعددة، وصورة داعش التى تختصر الحياة كلها فى حكم السيف، وتصفير العقل،

هاتان الصورتان اجتمعتا اليوم نسبيا بحكم ظروف نسبية جدا، وسيبدأ التناقض بالظهور قريباً وشيئاً فشيئاً، فالصورتان لايمكن ان يكون لهما سوى الصراع الابدى، وقد بدت بوادره كما نسمع فى الاخبار والاحداث.

هذه الوثيقة الداعشية هى نمط مستهلك من وثائق السلفيات التكفيرية التى لا مكان فيها للرحمة والضمير، هى وثيقة تقلب الاولويات، وتختزل الضرورات الى هامشيات، وتضخم الهوامش الى اساسيات، وترسم صورة للحياة قائمة على السواد المتجهم، وتجعل من الرعب والارهاب مبدأ تنظيمياً فاعلاً، وتنفذ كل ذلك بحد السيف وقطع الاعناق، ولاحاجة للقول، ان هذه التشكيلات السلفية لا تلائم سوى الكهوف ولاتناسب مجتمع قرية فضلاً عن مدنية وحضارة حتى لو افترضنا ان افراد هذه الجماعة قد رضوا بان يعيشوا هذا اللون من الحياة .

 

الحقيقة ان هذه التشكيلات السلفية تكشف بطبيعتها عن مشكلة بنيوية فى هذه المجتمعات العربية والاسلامية ذات المنحى السنى بشكل اساس, فهذه المجتمعات بشكل عام تقريبا تتمتع باستعدادت كبيرة لهضم هذه الروح المتشددة والانتماء اليها، والحقيقة ان المشكلة بقدر ما تعبر عن سطحية الفهم واضمحلال بعد العقل والتفكير، وغلبة الفعل (الاكشن )على الفكر، فهى تكشف من زاوية اخرى احتقانات نفسية مريرة وموروث نفسى وروحى يستقيظ حينا بعد اخر، موروث تختلط فيه عناصر التزمت والاحباطات المكبوتة، وكراهيات شديدة جدا، وحسم الامور حسما جسديا، موروث تتفجر فيه كل تعقيدات الماضى بصور جديدة والوان مخيفة، موروث يمكن له ان يتضاعف بانشطارات نووية، فهذا ان دل على شىء فانما يدل على عمق طاقة الخيال وهذا الموروث النفسى والروحى الذى ينمو فى هذه المجتمعات.

 

ان الانسان العربى يعيش حاضره من خلال التاريخ بصورة اساسية، انه لايستطيع ان يعيش لحظته الحالية وكانها لحظة مطلقة مكتفية بذاتها يفكر منها الى مستقبله، بل يعيشها من خلال نسبتها الى ماضى يكون هو المقياس فى الشرفية، واليه ينبغى ان يكون الانتماء، وصناعة التصورات، وهذا التاريخ الماضى هو تاريخ زمنى محدود ومقيد ولكنه يعطيه طابعاً مقدساً ومطلقاً، ويحرره من نسبيات الزمن وتقييدات العصر، ويجعله حاكما على الحاضر ان لم يكن بالاختيار فبالسيف.

يكفى ان يكون كابن تيمية قال عن الشيعة كذا وكذا، ليكون ذلك مبدأ تسيل على اساسه انهراً من الدماء، فابن تيمية يمثل تاريخا مقدسا  عند هذه السلفيات المرعبة، بعد ان كان مجرد شخص يفكر ويؤلف، شخص يحمل كل مايحمل البشر من عقد واوهام .

يمكن تشبيه هذا الواقع باستعارة بالغة،

فهذه الروح هى كشجرة تنمو وتثمر، وتؤتى اكلها حيناً بعد حين، وليست هذا الثمر سوى نتاج ماضى الشجرة، الشجرة التى ولدت قبل زمن وبقت على حالها تنتج نتاجها ان كان طيباً فطيباً وان كان خبيثاً فخبيثاً.

 

ليس الامر جديدا، انما الجديد هذه الثمار المرعبة التى تتفجر كل يوم بصور مرعبة جديدة.

photo1 (1)

photo2

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s