عراق ما بعد ازمة الموصل / الجزء الاول

photo_2014-06-30_06-57-57عراق ما بعد ازمة الموصل

الجزء الاول

 عمار الساعدي

 النشرة العراقية

الخميس،26 حزيران 2014

 لندن

 قد يمكن القول ان العراق من اكثر البلدان تعرضا لصراعات حادة وتحديات خطرة، سواءا من حيث تركيبته الداخلية طائفيا وعرقيا، او من حيث المحيط الاقليمى الذى يحتضنه من جميع الجهات،

 ونظرة تاريخية للاحداث التى مر بها هذا البلد تعطى صورة واضحة عن هذه الحقيقة.

 العراق بلد يحمل شروخا حادة فى تركيبته، شروخا ليست عرضية وآنية فحسب، بل بنيوية وجوهرية،

 انها تنفذ الى عمق التركيبة الاجتماعية الطائفية، وتتغلغل فى اعماق تاريخه البعيد،

 ولهذه الشروخ ذاكرة ذات  قدرة عالية على جس مواطن الألم، واستدعاء المكبوتات التاريخية، وتحفيز شكبات العقد النفسية مهما ذهبت بعيدا فى التاريخ.

 هذه الشروخ والتصدعات قد يقدر لها البقاء، او قد تتحول الى اشكال اخرى من العقد، وحيث تتلاشى الاشكال الاولى  فأن  اشكالا جديدة تولد بحلة اخرى، وبثوب جديد، ومنها تنشأ سلسة من التفاعلات الاخرى مع وقائع جديدة لتعمق من خطورتها، وتمد لها جذورا اعمق فى واقعنا مرة اخرى، وهكذا يستمر الحال فى دوامة تستمد من التاريخ لتبنى واقعا، وواقع يؤسس لتاريخ جديد، وهكذا فى اخذ وعطاء.

 مشكلة العراق يمكن تحليلها على ثلاث مستويات متراكبة تتصاعد من دائرة صغرى ذات امد قصير، الى دائرة اكبر ذات امد بعيد، مستواها الاول سياسى،

والثانى ثقافى اجتماعى،

والثالث حضارى كونى،

والمستوى الثالث يمثل مستوى مشترك مع كل الشعوب والامم التى تعانى من ازمات تخلف وما الى ذلك، والمستوى الاول والثانى لهما خصوصية عراقية، يمكن الحديث عنها بانفراد.

 فى العراق فان المشكلة الاساسية الاجتماعية والسياسية هى المشكلة الطائفية بكل جذورها وتعقيداتها التاريخية، 

 وليكن الحديث مركزا على مايمكن ان يفعله  شيعة العراق ضمن هذا الواقع المعقد  من اجل تجاوز هذه الصعاب التاريخية، وخلق  واقع يتمتع بالامن والسلم، وحياة وافرة بالقوة والخير العام.

 ان المشكلة الاساسية الاولى تكمن فى مشاكل ذهنية تتمثل فى انعدام التصور الموحد الذى يمكن ان يعبأ طاقات الشيعة فى اتجاه واحد، ويركزها ضمن محور يؤدى بها الى قوة اجتماعية وسياسية، وهذه المشكلة الذهنية، هى مشكلة ترتبط بنمط العقلية العامة لدى الشيعة،

 اى نمط تصوراتهم، ونمط التثقيف الذى يهضمونه باستمرار عن واقعهم التاريخى،

 فحسب علمى لم تكن هنالك اى محاولة حقيقية لابراز هذه المشكلة وتبيان جوانبها ومدى آثاراها ومضاعفاتها على امتداد الزمن .

 بالطبع لايتسع الحديث لتفصيل موسع عن هذه النقطة بالذات، ولكن يكفى القول باختصار

 ان تحليل الواقع الشيعى فى العراق تحديدا، وابراز خيوط الاحداث التى قد لاتظهر بشكل مباشر من مجمل المعطيات التاريخية البارزة للعيان، او على الاقل لاتتبين ملامحها الا من خلال اطر تحيليلية منهجية منظمة، فانها ستكشف عن هذه الحقيقة، وهى ان مشكلة الشيعة الاساسية انهم على طول الفترات الزمنية الماضية، لم يتطور لديهم وعى موحد، ولم يحملوا مشروعا معينا، ينظرون من خلاله الى تاريخهم، ومشاكلهم الماضية، او يفسر لهم حاضرهم، او يفتح لهم آفاقا مستقبلية، اويصور لهم المخاطر التاريخية التى من المحتمل مواجهتها.

 لم يكن لدى الشيعة وعى بهوية شيعية، ووجود شيعى، يمكن ان يكون منطلقا لبناء داخلى، وتصور ستراتيجى

لوجودهم كطائفة، بل عاشوا كطائفة لها مذهبها، وتقاليدها ذات الافق الشعائرى الخاص، وبقى كامل الوضع السياسى والاجتماعى الذى يحيط بهم فارغا من اى رؤية تماما،

وبالتالى انعدم عندهم اى تصور لمشروع تاريخى لهم.

 فهنا ولدت المشكلة بحق، فان المحيط الاسلامى السنى على الاغلب محمل باعتبارات مذهبية تجاه التشيع، وذاكرة مشحونة بمواقف ورؤى وحساسيات يمكن ان تستيقظ بكل سهولة بمجرد اثارتها ضمن مواقف زمنية محدودة، ويمكن ان تشعل نارا تأكل الاخضر واليابس،

 هذا الحال كله والشيعة لايملكون تصورا واضحا عن حجم الخطر التاريخى الذى يحيط بهم، وبدلا عن ذلك فهم يعيشون الافق الشعائرى المذهبى فقط، ولايملكون تصورا ورؤية واطارا للتفكير ضمن هذا الوضع المحموم والذى ينفجر عليهم حينا بعد حينا، وعيا يمكنهم من مقاومة وصد هذا التحدى المحيط بهم.

 ان مشكلة الخطاب الوحدوى، او التوحيدى كان من ابرز اسباب هذا الفشل فى تكوين رؤية ووعى بهوية شيعية وهو خطاب له اسبابه التاريخية، فان الشيعة كانوا على امتداد التاريخ طائفة متهمة فى دينها بسبب الاعلام الرسمى للسلطات مماجعلهم يتخندقون فى مواقع دفاعية دائما،

 ويكفى مراجعة الادبيات الشيعية لنعرف كيف أن الشيعة كطائفة بشكل عام كانوا يدافعون عن شرعية مذهبهم، وكيف ان لغة الحوار المذهبى غلب عليها الدفاع وتنزيه النفس من كل الاتهامات وغير ذلك، ومع ان هذا كان له مايبرره تاريخيا بحكم ضعف التشيع مع قوة السلطة ذات المنحى السنى، فانه الان وفى الواقع الحاضر لايمكن ان يشكل عائقا عن نمو تفكير جديد يدفع بالشيعة الى مواقع افضل واقوى 

ولايعنى هذا بالطبع دعوة الى ان لا يتوحد الشيعة مع السنة وان لايمدوا لهم يد الاخوة،

 كلا،

بل يعنى هذا ان هذا الخطاب جعلهم ينظرون من خلال مرآته الى واقع كاذب وغير واقعى بالجملة،

وجعلهم يعيشون فى هذا الوهم بدل  ان يتحسبوا لعمق مخاطر الواقع، وعمق الحساسيات الراسخة الجذور فى الذهنية السنية،

وكان نتيجة هذا ان شعار الوحدة الاسلامية دائما ما كان ينطلق من المواقع الشيعية بنسبة اكثر بكثير مماينطلق من المواقع السنية –يمكن ملاحظة هذا تاريخيا- مع تباطىء سنى على الاغلب فى الاستجابة، او طلب تقديم تنازلات وغير ذلك، وهذا يؤكد مسألة ماقلناه تماما.

ينبغى ان يكون الخطاب الوحدوى منطلقا من قوة وليس من ضعف، ومن موقع ارادة الاخوة مع الاخر وليس من موقع طلب الاخر ان يجعلنا اخوة لهم.

اذن يصبح من الضرورى التفكير ببناء جديد ووعى جديد لهوية شيعية،

هوية ترتكز على بعد عقائدى واجتماعى، وتنطلق منها رؤى ستراتيجية ومصيرية ترسم ملامح وجودهم فى محيط يشكل تحديا تاريخيا لهم.

ونقصد بالتحدى التاريخى شى اكثر من مجرد التحدى السياسى، او التحدى الاقليمى مثلا،

انه تحد  يتسم بمشكلة طويلة الامد، وعمق تاريخى يحمل معه ذاكرة تاريخية يمكن ان تنشط بين آونة واخرى،

انه تحد من نوع طويل الامد لايمكن حسمه بمقولات تعبوية، ودعاوى اخوية، ومواقف ودية، او توافقات سياسية وغير ذلك فقط،

بل هو تحد يتطلب تنمية مواطن القوة الذاتية، وتشكيل اطار ستراتيجى تحصينى يرتكز على تفعيل كل طاقات الذات وتوجييها نحو عملية التحصين هذه.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s