تاريخ يولد من جديد

تاريخ يولد من جديد

 

عمار الساعدي

النشرة العراقية

الاربعاء، 02 تموز، 2014

لندن

22 

 

فى ريعان الطفولة، كانت تحدثنى شقيقتي الكبرى عن حوادث مرت عليها مئات من السنين،

عن ظلم واضطهاد بنى العباس للعلويين والشيعة،

كان بيدها كتاب فى التاريخ تقرأ فيه، وكنت آنذاك  طفلا لااستطيع القراءة، وانا اسالها عن حكايات تلك العهود المنسية، ويستطيل عنقى لسماع كل ماتحكيه لي، 

كنت استمع اليها حين تتلوعلي القصة تلو الاخرى، ومشاعري تمتزج فيها نوبات حزن وشوق لمعرفة هذه الحوادث وشعور بالغربة، لقد كان خيالى يشتد بين الحين والاخر  لتصور المشهد حيا بدم ولحم،

كانت قد حكت لى  كيف ان العلويين كانوا يدفنون فى مدافن سرية فى سجون بنى العباس، وكيف كانت تتم التصفيات الجماعية للشيوخ والشباب والاطفال،

حدثتنى عن واقعة فخ،  تلك المجزرة الرهيبة التى قام بها الهادي العباسي، وحدثتني عن تصفيات هارون الرشيد، واضطهاد المتوكل وغيرها من قصص الزمان الغابر.

اما كربلاء، ووقعة الطف، فقد كان لها  صدى يتكرر كل سنة من جديد، كانت مشاهد الرؤوس على الرماح، وصيحات النساء وحرق الخيام، والاطفال يتراكضون بين الخيمة والاخرى، ونشيجهم على مشاهد الحرق والقتلى، ورعبهم من هجوم الخيول والفرسان على بيوتهم ومحط رحالهم،

كانت كل تلك وغيرها مشاهد طبعت خيالى منذ الصغر، والتهب بها الضمير منذ ريعان تلك الطفولة.

كل ذلك وانا اسأل ولماذا كل هذا الحقد والانتقام، وهذه الوحشية والقتل، فتجيبنى لانهم اهل البيت او لانهم شيعة فقط، وفى ذلك الحين انتابتنى لحظة خوف ورعب، فمالذى يحصل يا ترى لو كنت انا او اهلي فى تلك الايام التى كان قتل شيعي فيها اهون من شربة ماء , او اسهل من نطق كلمة؟؟

ومشهد اخر من مشاهد الصبا، كان يخيفنى اكثر من الاول، كان لدينا كتاب قديم ورقه اصفر، اسمه “بشارة الاسلام” لمؤلفه السيد “مصطفى آل السيد حيدر الكاظمى”، يسطر فيها احاديث اخر الزمان، وفتن الحروب وعلائم الساعة،

كنا نجلس فى ليالي الصيف، ويقرأ لى شقيقي او شقيقتي الكبرى، من هذا الكتاب، وكانت تجلس بجنبنا  والدتي (رحمها الله)، تستمع وتشاركنا الحديث،

كنت قد سمعت فى ذلك الحين حوادث ستجرى فى المستقبل عن قتل ذريع، وانهر من الدم ، فى الزوراء (بغداد) وفى الكوفة، وحوادث عن قتل كثير لكل من اسمه علي وحسين وزينب وفاطمة، وذبح للاطفال، وحرق للبيوت، وخروج رجل بجيش جرار من بلاد الشام اسمه السفياني سيفعل هذا كله، سيحدث باناس ابرياء، وحوادث مرعبة اخرى من قبيل جفاف نهر الفرات ، وموت احمر وابيض، وغير ذلك من حوادث مخيفة ومرعبة.

هنا كان الخوف اشد، خوف من ان اكون فى عصر هكذا الذى تحكيه هذه الكتب،

لم يكن يدر فى خلدي يوما ما، اننى سارى مشهد ذبح لابرياء، وقتل ذريع فى الاطفال والنساء، لم يكن فى بالي يوما اننى اعيش زمنا يقتل فيه من كان اسمه علي وحسين، وجعفر وحيدر،

ولم اكن قد احتسبت يوما ان نرى جموعا من البشر تتسابق على قتل الابرياء لمجرد انهم يدينون  بالولاء لاهل البيت، وحب آل المصطفى!!

أوه يا آلهي، ما الذى يجرى؟ بالامس كنت اسمع هذه الحكايات عن المستقبل واظنها وقائع بعيدة عنا، ولايصل الينا الدور فى مشاهدتها،

بالامس كانت مجرد احاديث نتبادلها لوحدنا فقط فى ليالي الصيف الهادئة ، ونظن فى قرارة انفسنا ان لايعلم بها احد سوى نفر معدود من الناس ممن يقرأ هذه الكتب التى تتحدث عن ملاحم الفتن واخبار الزمان،

اووه ياآلهى، الان كل شىء تحقق، واصبحت مشاهدها ومناظرها على مسمع ومرأى من كل الناس جميعا، فمااسرع ماتحققت هذه الانباء، ومااعجب مايتمخض به الزمان.

حدث كل هذا، القتل الذريع، وقتل من اسمه على وحسين وجعفر، وذبح الاطفال، وهوان دم الانسان حتى يكون اهون من شربة ماء، وحدث ماهو اعظم من ذلك، وما زال يحدث ولانعرف ماذا سيحدث فى الفترات القادمة.

الان ادركت ان للحياة صنوفا والوانا من المفاجآت ، وعرفت ان التاريخ يولد كل مرة من جديد، وان النفوس هى النفوس، والقلوب هى القلوب، لم تتغير على مر الزمان، ولم تتبدل على سيرالحدثان.

الان ايقنت ان فى يومنا كثيرين ممن سيشعر بنفس حماسة شمر فى هجومه على خيام نساء آل الرسول، ومن سيفخر بقطع رؤوس الخيرة من آل النبى الكريم لو كان فى ذلك الزمن البعيد، ومن يود لو انه قطع رأس الحسين بيده.

أووه يا آلهى الان ادركت مامعنى هذه الكلمة التى نرددها حين نزور الحسين ( ثأر الله وبن ثأره والوتر الموتور)، وهل هنالك من ثأر للحسين لم يدرك بعد؟…….فهل ثأر الحسين انتهى بمجرد القضاء على  قتلته بعد شهادته بثلاث او اربع سنوات ؟….ام ان ثأره مديدا بعمر الانسانية التى تستباح من قبل هذه النفوس المجرمة، وتنتهك كرامتها من قبل هذه القلوب الموغلة فى الاحقاد،  وأن ثأره ينتهي بانتهاء كل بذور الشر التى طالت حرمته التى لاتعلوها ارض ولاسماء!!

هنا بدأ نشيج فى الصدر يتفاعل فى النفس وفى الشعور، وأنين يعصر القلب نحيبا وعويلا،  لم تعد لى كربلاء هى فقط كربلاء، بل توسع مداها، وامتد افقها، ليتسع الى اقصى ذراها، و بدأت انظر الى الطف طرية حية، وترآت لى صهيل الخيول ووقع الأسنة والحراب، وطفقت استمع الى نشيج الاطفال وعويل النساء، وبدأ الشعور يلمسها على الرغم من بعد الزمان، وعلى الرغم من تلاشى الحدثان.

نعم لم تنته كربلاء، ولم تتخلص النفوس من غلها واحقادها، وبدا كما لو أنها تعيد صياغة تاريخها التى تنتمى اليه، وأنها تعيده كل يوم بثوب جديد، ولكن مضمونه يبقى واحدا، فمعركة الطف فى كربلاء تختصر كل القيم الانسانية والمثل الروحية العليا، وهى ليست معركة ذات محدوديات زمنية تنتهى بانتهاء افقها ومداها، بل هى معركة تركزت فيها ابعاد الحرية والكرامة وحب الله والايثار والصبر والنقاء والوفاء، كانت مشعلا توقدت فيه كل هذه المثل، ومصباحا ازهرت فيه كل هذه القيم، كانت تجسيدا حيا لكل مثال.

28 

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s