ما قبل نكسة الموصل وبعدها

ما قبل نكسة الموصل وبعدها

هل كان السنة العرب في العراق ضحية المغامرات الخليجية في العراق؟

هل يخرج الشيعة اقوى من قبل أزمة الموصل؟

A man walks past near remains of burnt vehicles belonging to Iraqi security forces in the northern Iraq city of Mosulهل استوعب الطرفان الدرس؟

 

عمار الساعدي

 

النشرة العراقية

 

الخميس، 03 تموز، 2014

 

لندن

 

قال تعالى فى سورة الحشر (وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ۚ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ).

ان ازمة الموصل كانت منعطفا مهما فى الشأن العراقى ساهم فى تحقيق بعض المتغيرات التى يمكن ان تظهر نتائجها فى المستقبل القريب او البعيد, وكذاالحال نفسه فى شأن كثير من الازمات التى تخلق منعطفات سياسية واجتماعية او ستراتيجية للدول والشعوب.

 

قد لايمكن استيعاب الدرس والنتائج التى يمكن ان تترتب على هذه الازمة الا بعد المرور على تاريخ الدولة العراقية بعد تحرير العراق من نظام صدام الدكتاتوري، حيث ولدت عملية سياسية تنتهج نهجا ديمقراطيا وفق الحدود الدستورية، وبلد مقاد بحكومة منتخبة من قبل الشعب،

ضمن هذا الوضع افرزت هذه العملية السياسية واقع التمثيل الطائفي والعرقي لمكونات الشعب العراقي، واظهرت نسبة للشيعة لاتقل عن 65 بالمئة، وسنة نسبتهم حوالى 20 بالمئة، وباقى النسب يشغلها الاكراد والتركمان والشبك وباقى القوميات والطوائف الاخرى.

هذا الواقع الجديد شكل صدمة للمحيط العربي وخصوصا السعودية وقطر والاردن، وبدأت منذ ذلك الحين اي منذ بدأت العملية السياسية فى العراق محاولات شتى لتحطيم هذا الواقع السياسى، وارجاع الحكم  لما قبل 2003 ،

وحقيقة الامر لم تكن الدول العربية التى تدخلت فى هذه المؤامرات التى سعت الى تدمير الواقع السياسي كالسعودية وقطر ذا خبرة طويلة وحنكة ودراية فى ادارة اللعب الاستراتيجية،

بل جل ما تعتمد عليه هو تمويل بالدولار، وتوظيف الحشود البشرية فى عمليات القتال والحرب بشكل جنوني، مع قنوات متهرئة واعلام مضلل، يعتاش على الاكاذيب وشحن هستيري في نفوس الجماهير العربية،

 

فهذا كل ماتجيده الدول النفطية كالسعودية وقطر ، وتجيد شيئا اخر اكثر من غيرها من الدول، وهو لعب دور الخادم المطيع والموظف المخلص للقوى العظمى الغربية مع امتنان واعتزاز بذلك.!!

 

واقع السنة فى العراق هو واقع اشد بؤسا من واقع الدول النفطية الخليجية، فالسنة، مع كونهم اقلية، كان الحكم بيدهم طيلة  عقود من الزمن منذ تشكلت الدول العراقية الحديثة بعد الاحتلال البريطانى سنة 1921، وحين سقط النظام الدكتاتوري البعثي، وجدوا انفسهم فجأة امام واقع الارض والجغرافيا والتمثيلات السكانية الحقيقية وغير ذلك من معطيات واقعية صلبة.

 

منذ 2003 اشاح العرب السنة بوجوهم نحو الدول النفطية أملا بدعم وتأييد سياسي وستراتيجي لهم، من اجل اعادة الحكم اليهم بصورة او باخرى، وبدا على اثر ذلك مسلسل العنف الذى باشرت به مجاميع بعثية وسلفية وتنظيمات القاعدة فى العراق بادارة سعودية وخليجية، وتدفق الدعم المالي من دول الخليج، وتصدير المجاميع البشرية المقاتلة من كل الدول العربية،

ولم يؤد ذلك كله الا الى نتائج كارثية بالنسبة للعرب السنة، فكثير من شبابهم قتلوا، ومدنهم تحطمت، واصبح وضعهم صعباً فى كل تلك الفوضى التى خلقوها، وظن الناس ان كل شى قد انتهى، وان العقدة الطائفية فى طريقها الى الزوال نهائيا، وان لاطريق الى الحياة بسلام سوى القبول بواقع الحال، ولكن ذوى النظر الثاقب يرون ان المشكلة اكبر من هذا، وانها كنار تحت الرماد يمكن ان تشتعل فى اى وقت وظرف مناسب مادامت اسبابها قائمة.

 

ومنذ بدأ  مايسمى بثورات الربيع العربى، واشتعلت هذه الحرب الكونية فى سوريا، كان التدخل السعودي والقطري والتركي فى الحرب السورية هو محاولة لتشكيل خارطة سياسية جديدة،

يتم على اساسها اعادة توزيع موازين القوى فى الشرق الاوسط لصالح دول الخليج واسرائيل تحديدا، وعاد الامل مرة اخرى بربط المشهد السني فى العراق بمشهد الحرب السورية، واستعادت بعض القوى المسلحة السنية نشاطها ولملمة صفوفها من اجل ارباك الوضع السياسى العراقى الذى استقر نسبيا، تزامن مع ادارة فاشلة للازمات من قبل الحكومة العراقية،

فبدأت سلسلة من عمليات التفجير وارباك الوضع الامني على نطاق واسع فى بغداد ومحافظات الوسط والجنوب منذ 2011، وبدا الامر واضحا وكأن هذه التنظيمات السنية المسلحة على تمكن تام فى تنفيذ عملياتهم فى الوقت وفى المكان، وكان كل ذلك يشير الى تحين الساعة التى يستجمعون فيها قواهم لينطلقوا فى ساعة صفر تعصف بالمشهد السياسي كله فى العراق!!

 

فشلت مساعى الدول الخليجية وتركيا والدول العظمى الداعمة لهم فى القضاء على النظام السوري،

وخرج النظام السوري المدعوم من قبل دول عظمى عالميا كروسيا واقليميا كايران، اقوى عسكريا من ذى قبل،

وكانت الهزيمة نكراء لدول الخليج التى تمتهن صنع الحروب فى المنطقة منذ عقود من الزمن، وتوجهت نواياها بعد هذا الفشل فى الاراضي السورية نحو العراق علها تحقق نجاحا يكون سلوى ونشوة لها.

 

السنة فى العراق بدأوا تظاهرات واعتصامات فى الانبار وغيرها، ورفعوا مطالب وشعارات، وبالطبع لم يكن هنالك جديد فى حقيقة معظم هذه المطالب والشعارات المرفوعة سوى النوايا الواضحة فى العودة لماقبل 2003.

 

فى هذا السياق تأتى ازمة الموصل كمحاولة لفرض واقع سياسي جديد يشكل نقضا كاملاً للاستحقاقات الانتخابية والدستورية،

فكانت الخطة هى ادخال داعش، هذا التنظيم الموغل فى الوحشية والدموية، ليخلق شرخا عسكريا وامنيا كبيرا فى الدولة العراقية، وبعد ذلك يمكن فرض حلول سياسية تحقق مكاسب كبيرة للتشكيل السني فى العراق من خلال تدخل دولي او اقليمي، او على الاقل من خلال سيناريوهات اسقاط العاصمة بغداد بيد داعش،

ولكن هنا كانت المفاجاة،

فلقد استيقظ الشيعة بشكل سريع، وتدخلت المرجعية الدينية فى النجف متمثلة بالمرجع السيد علي السيستاني تدخلا غير مسبوق وافتت بضرورة اسناد الاجهزة الامنية والعسكرية للدولة العراقية من قبل كافة ابناء الشعب العراقي،

وتحركت القوى والتشكيلات الشيعية الاخرى وانضم مئات الالوف من ابناء العشائر وافراد الشيعة فى مختلف المحافظات فى حركة تطوع لم يسبق لها مثيل، وعاش الشيعة فى ايام معدودة حماساً وشعوراً كبيراً فى الخطر والاحساس بنكسة المؤامرة ضدهم كما لم يعيشوه فى يوم من الايام، وسط فشل وانهيار حكومي تام.

 

كانت ردة الفعل الشيعية هذه تعبير عن الوعى والاحساس بالخطر الكبير الذى يحيط بهم وبمصيرهم المجهول،

واعادة حساب لواقع الخطر الاقليمي الذى يحيط بهم و المتمثل بدول الخليج كالسعودية وقطر تحديدا وتركيا، واحساس بصدمة كبيرة فى الشرخ الامني والاستخباراتي لدى الدولة،

لقد كان الامر بالمجمل اعادة حساب لكل الواقع المحيط بهم.

 

الحكومة العراقية بدأت بتعزيز قواتها الامنية، والقوى الشيعية المسلحة الاخرى لعبت دورا هاما فى تحصين بغداد، وبدات سلسلة من الانتصارات الميدانية على الارض، وتم تحرير بعض المناطق او تطهيرها من مسلحى داعش.

 

 

كان هذا الاستيقاظ الشيعي، والحضور المرجعي، والعزيمة التى نهض بها كل ابناء العشائر، واصطفاف كل التشكيلات العسكرية الشيعية غير التابعة لوزارتي الدفاع والداخلية ضمن جبهة واحدة، والانجازات والمعارك التى خاضتها وانتصرت فيها، كان كل ذلك قد مثل صدمة كبيرة لدى من دبر هذه المؤامرة، الذين لم يتوقعوا ان تنقلب الامور بهذا الشكل، وكانت أيذاناً بفشل هذا المشروع السعودي القطري التركي فى تحقيق اهداف هذه المؤامرة.

 

كان ذلك خسارة لهم اسوء بكثير من خسارتهم فى سوريا، وبداية وضع جديد سيعيد فيه الشيعة فرض واقعهم الجديد من الان، وسيعيد فيه الشيعة تشكيل تصوراتهم ونظرتهم الاستراتيجية والامنية والعسكرية ضمن اطار هذا الخطر الذى كشفته هذه المؤامرة غير المدروسة جيدا.

 

للاسف، السنة في العراق خسروا كثيراً فى هذه اللعبة التى ورطتهم بها السعودية وقطر وتركيا،

فوضع الحسابات السياسية لم يتغير فى صالحهم ابدا، ومدنهم اصبحت ساحة حرب مرة اخرى، والتهجير من مدنهم شكل “رقما كارثيا”،

واصبحوا من الان فى خانة مشكوكة ضمن اطار اللعبات الدولية التى تستهدف فى مؤامراتها العراق،

وسيحسب الشيعة فى العراق وحلفاءه حسابا كاملا لكل خطوة اخرى يخطونها، وستدرج كل محاولاتهم الاخرى ضمن تصنيف مؤامراتى فى الذهنية الشيعية.

لقد وضع السنة انفسهم فى موضع مشبوه دوليا وانسانيا، فالسماح لتنظيم متوحش مثل داعش ان يدخل محافظتهم وبترحيب الاهالى منهم، مع ابادة وحشية لمئات الجنود الذين سلموا انفسهم وقتل بطريقة وحشية لاهالى القرى الشيعية الامنة من نساء واطفال بعمر الشهور، اظهر مدى الاستعداد والبشاعة التى يمكن ان تظهر فى المحافظات السنية،

فهذه الجرائم سوف لن يمر عليها الوقت دون ان يفضحها الزمن امام مرأى العالم كله.

 

الشيعة انتبهوا جدا على اثر هذه المؤامرة على واقع الخطر المحيق بهم، وعلى ضرورة خلق تحالفات ستراتيجية قوية مع حلفاء اخرين،

لم تكن هذه المؤامرة سوى لعبة بهلوانية سخيفة غير مدروسة  من قبل سادة حروب المنطقة السعودية وقطر، وحلفائهم من التنظيمات المتطرفة في العراق وغيرها،

لقد اظهروا بها وجههم الحقيقى بكل مساوئه، وكشفوا عن كل مالديهم من قوة امام اعدائهم، فاى نجاح لهم بهذا ؟

 

لقد وضعت هذه الازمة السنة العرب فى العراق في ازمة حقيقية فى القيادة وتلمس الارض والواقع، لقد اصبحوا ضحية حروب عبثية فوضوية تذهب فيها ارواح الملايين من البشر، وتهدر فيها ثروات هائلة تدار من السعودية وقطر،

السنة فى العراق ومنذ سقوط نظام صدام تكبدوا خسارة بعد خسارة فى كل خطوة يخطونها،

ومن المتوقع ان تكون خسارتهم فى مؤامرة الموصل هذه هى افدح الخسائر على الاطلاق،

والشيعة سيكونون هم من يستفيد من هذا الدرس الذى صدموا به،

فالشيعة تاريخيا وجغرافيا وسكانيا لايمكن ان يتعرضوا لهزة بمثل مؤامرة طفولية كهذه،

ولكن هذا كله سيراكم رصيدهم من الدروس التاريخية التى تفعل فعلها فى بناء المجتمعات وتعزيز قوتها عسكريا واقتصاديا وسياسيا.

ونقطة القوة لدى الشيعة، انهم عاشوا درس المظلومية ضمن خط تاريخي طويل، وتحملوا خلاله شتى اشكال الاضطهاد والاقصاء، وقد تعلموا درسا قاسيا من هذه التجربة الطويلة المؤلمة، والان بدأوا يضعون ايديهم على الارض شيئا فشيئا، وشرعوا يشقون طريقهم ويتلمسون مواطن قوتهم وضعفهم، وكل مؤامرة وخطوة من قبل العدو ستجعلهم ينتبهون على هذا، وسيؤدى هذا الامر تدريجيا  الى تقوية كيانهم على كل المستويات.

 

هنالك مسارات تاريخية تشكل حتمية تاريخية للشعوب والامم، هذه المسارات لايمكن تغييرها، ولاتحويرها، نعم قد يمكن مقاومتها نسبيا لفترة من الزمن، ولكن العاقبة فى نهاية المطاف ستكون لهذا الخط التاريخى المحتوم، ومن يفهم هذه الحقيقة فهو سيحذو باتجاه احترام هذه الحدود التاريخية، (تلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فاولئك هم الظالمون).

 

الصورة: مواطن موصلي يمر بالقرب من اثار العنف الذي عصف بمدينته الشهر الماضي (رويترز) 

Members of the Iraqi security forces take part in an intensive security deployment in Najaf

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s