الهروب من مدينة المتشددين، الموصل

الهروب من مدينة المتشددين، الموصل

قصة صحفي عراقي

الماء البارد لا يكفي لنسيان أحداث الموصل

A fighter of the ISIL stands guard with his weapon in Mosul

النشرة العراقية 

موقع نقاش

الجمعة، 11 تموز، 2014

اربيل

أخفيت جميع الصور والكتابات الصحفية المخزونة على حاسوبي المحمول، وخبأت بطاقة التعريف الخاصة بي حيث يصعب إيجادها، كان هذا إجراء احترازي قبل السفر إلى أربيل لأن داعش على ما يبدو تصنِّف الصحفيين ضمن أكثر أعدائها.

 انطلقت إلى العاصمة الكردية وكانت شوارع مدينة الموصل الخاضعة لسيطرة داعش بالكامل منذ العاشر من حزيران(يونيو) يسودها سكون مريب لا يعكره سوى أصوات السيارات التي تمر كل بضعة دقائق في الشوارع الرئيسة.

 طوابير البنزين الطويلة تبخّرت، وهذا لا يعني انتهاء الأزمة بل عدم جدوى الانتظار تحت الشمس الحارقة “مرت عشرة أيام وأبواب محطات البنزين موصدة” بهذه العبارة برر سائق التاكسي إصراره على طلب أجرة مرتفعة قبل أن ينطلق بنا باتجاه أربيل.

 كراج الشمال المؤدي إلى أربيل كان خالياً إلا من بعض سائقين متعطشين لأي مسافر، أما مسافة السفر فتضاعفت بعدما اغلقت قوات البيشمركة الكردية الطريق الرئيس بسواتر ترابية منذ اسبوع إثر اشتباكات مع مقاتلي داعش.

 على الطريق البديل الذي اكتشفه السائقون كانت سيارتنا تتحرك ببطيء بسب رداءة الوقود السوري الذي يُباع في الموصل، فبعدما أزالت داعش حدود “سايكس- بيكو” بين سوريا والعراق، وجدها بعض العاطلين عن العمل فرصة مناسبة للكسب لكنهم يجلبون بضاعة رديئة لزيادة الربح.

 المسافر المحظوظ هو من يملك بطاقة اقامة في أربيل تمكِّنه من الدخول بشكل مباشر إلى المدينة دون عناء، أما سيء الحظ مثلي فعليه الانتظار ساعات طويلة أمام نقطة الدخول إلى المدينة أملاً في الحصول على البطاقة، وربما لا ينجح فيضطر إلى الرجوع أو يبحث عن مأوى في أقرب مخيم للنازحين.

 اثنا عشر ساعة قضيتها عند مدخل منطقة (الكلك) الرئيس أحاول الحصول على إذن بالدخول، لكن محاولاتي مع عناصر الأمن الكردي (الآسايش) فشلت كلها، خاصة وهم يتعاملون بخشونة مفرطة مع المراجعين.

  لكن آمالي انتعشت مجدداً عندما أقبل ضابط كردي بدا لطيفاً في تعامله فأخرجت بطاقتي التعريفية التي سبق وأخفيتها في مكان خاص قبل مغادرتي الموصل وتقدمت نحوه وعرفته بنفسي: “انا صحفي” ثم أريته بطاقتي.

الضابط ورغم محاولاتي رفض طلبي بالدخول إلى أربيل وبعد الحاح مني قال بحزم “هذه تعليمات جديدة، لن تدخل مهما كانت صفتك إلا برفقة عائلتك”.

بالفعل رأيت عشرات العائلات النازحة من الموصل والبلدات التابعة لها تحصل على إذن بالإقامة المؤقتة ومعظم النازحين لا ينوون العودة إلى الديار حالياً.

وتحت سقيفة قريبةُ نُصبت في العراء لا تقي من حر الصيف اللاهب، يمتزج الغبار بصراخ اطفال رُضع وأنين مرضى ومسنين يفترشون التراب، لمثل هذه المشاهد سال لعاب مصورين عراقيين وأجانب سددوا عدسات كاميراتهم اليه بلهفة.

في النهاية لم أحصل على إقامة، لكن الخبر السعيد انني دخلت بمساعدة صديق كردي من اربيل، وعندما وصلت الفندق كانت الحاجات الحياتية الأساسية التي نفتقدها في الموصل متوفرة، ولكم تمنيت لو إن الظروف كانت تسمح لي بمرافقة عائلتي لي خاصة أطفالي الثلاثة.

بعد يومين من وجودي في أربيل بدأت أعيش حياة طبيعية، أقرأ الصحف وأكتب القصص وأتواصل مع الزملاء الصحفيين والأصدقاء عبر شبكة الأنترنت، وأخطط للمستقبل أيضاً، بينما هناك في الموصل أقصى أمنياتي كانت توفير الماء البارد على مائدة الإفطار والنوم في غرفة مكيّفة وتأمين الحليب لابنتي الرضيعة فاطمة.

الظروف المناسبة للعيش هنا في أربيل لم تغيِّر في تفكيري بعائلتي فالقلق والترقب لا يفارقاني أبداً، حيث أتواصل يومياً عبر الهاتف مع عائلتي وأصدقائي في الموصل، فأخبارهم لا تبشِّر بخير والقصف الجوي متواصل والضحايا معظمهم من المدنين.

أما الخدمات الطبية فهي في تراجع وثمة تحذيرات من نقص مواد التخدير والأوكسجين، لكن حتى هذا الأمر حُرمت منه لاحقاً حينما قطعت شركات الاتصال العاملة في الموصل الخدمة عن المدينة في الساعة 11 من صباح اليوم الرابع من تموز (يوليو) حيث تبيّن لاحقاً إن سبب القطع يعود إلى حضور أبو بكر البغدادي (الخليفة) إلى المدينة وإلقائه خطبة الجمعة إذ عادت الاتصالات لاحقاً في المساء.

الأخطر إن أخباراً أكيدة كشفت عن تزايد عدد المخطوفين على أيدي مسلحي داعش، وهؤلاء يُعثر على جثثهم بين الحين والآخر وهي معصوبة الأعين وموثوقة الأيدي ومصابة بإطلاقات نارية وهو ما دفعني إلى التفكير الجدي باتخاذ الترتيبات اللازمة للعودة إلى الموصل وإخراج عائلتي من هناك والعودة إلى أربيل بعدما حصلت على مساعدة بعض الأصدقاء الأكراد.

 لم اشعر بالغربة أبداً في الفندق وأماكن أخرى في أربيل حيث التقي يومياً صحفيين تركوا الموصل خوفاً على أنفسهم أو بحثاً عن عمل، فبين ليلة A fighter of the ISIL holds a flag and a weapon on a street in Mosulوضحاها أصبحت نسبة البطالة تفوق 90 في المائة.

 وفي اتصال هاتفي مع أحد اساتذة جامعة الموصل قال لي بمرارة إن “استمرار الوضع على حاله لشهر آخر، سيضطرني إلى بيع الخضراوات أو أي عمل آخر أُعيل به عائلتي.

 سجلت من هنا مشهداً من الكوميديا السوداء عندما التقيت بعض العاملين في قناة استولت عليها داعش، هؤلاء جاءوا إلى أربيل بعدما تقطعت بهم السبل، وفيما كانوا يخططون لإيجاد عمل اقترح أحدهم مازحاً “لنعد إلى الموصل ونفتتح القناة بالاتفاق مع المسلحين، ونسميها عندئذ قناة داعش الفضائية”.

http://www.niqash.org/articles/print.php?id=3488&lang=ar

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s