نحو قيادة كيان لا قيادة أفراد ج2 / عناصر الخلل الثقافي

نحو قيادة كيان لا قيادة أفراد

الجزء الثاني

 النشرة العراقية

 عمار الساعدي

الاثنين، 14 تموز، 2014

 لندن

Slide1

 عناصر الخلل الثقافي

ذكرت ان اهم عناصر هذه المشكلة فى انعدام القيادة هو التركيبة الثقافية المتنوعة للشعب العراقي،

هذه التركيبة التى لاتقتصر على التنوع الديني والمذهبي والعرقي فقط، بل هنالك ثمة تركيبات واطياف دقيقة ومختلفة جدا في داخل الشعب العراقي، فمن المرجعيات الدينية، الى الاحزاب السياسية، الى التنوعات المناطقية، الى الاختلاف بين المدن العراقية وتشكيلات اهلها وطبيعة ولاءاتهم، نلاحظ ثمة تنوع كثير جدا، وهذا التنوع ينعكس على مستويات اعلى تصل الى نوع القيادة وشخصها وبالتالي رؤاها وتصوراتها، ويؤدى كل ذلك فى نهاية المطاف الى تنوع القيادات وعدم انسجامها فى كثير من الاحيان.

ولهذا سبب ثقافي اعمق، فالشعب العراقي يعيش الحاضر من خلال الماضي، ولايرسم المستقبل من خلال الحاضر، انه شعب يتنفس من خلال الذكرى وعلى اساس المبدأ الذى تأسس على يد شخص قائد ما ينتمي الى اسرة دينية او حزب سياسي له عراقته وتاريخه،

فهو شعب يعيش ولاءا شديدا للماضي، الماضي الذى يتمثل باسرة او حزب او قائد او مجد ما، ومن الصعب جدا على باحث ان يذوق هذه الحقيقة مالم يعش بين العراقيين ليعرف كم تاثير هذه الحقيقة في تشكيل القيادة عندهم.

ولايقتصر هذا الامر على التركيبة العشائرية التى تعيش امجاد اسرتها وشيوخها فقط، بل هى كماقلت نفس البنية الثقافية تتغلغل فى شتى انواع التركيبات الاجتماعية والدينية والسياسية،

ففى حزب سياسي ما يفترض ان يكون رصيده الشعبي هو البرنامج والمشروع والمنجزات، ولكن الحال اننا غالبا ما نجد ان رصيده ليس المنجزات على الارض بقدر ماهو رصيده التاريخي او اسم الاسرة مثلا، وكذلك الحال فى شتى المؤسسات والانماط الاجتماعية والدينية الاخرى.

فهذا هو العنصر الاول، وهو طبيعة التركيبة الثقافية للمجتمع العراقي،

والعنصر الاخر هو تنوع المبادىء والرؤى التى تسرح فى ميدان الشارع العراقي، سواءا كانت دينية او اجتماعية او سياسية، وهذا التنوع فى الرؤى والمبادىء قد يصعب استغلاله او دمج هذه المتنوعات فى محور واحد من قبل  شعب ليس له خبرة تاريخية طويلة فى هذا المجال.

 فالعنصر الثقافي هو اهم عنصر يلعب دورا فى تشتيت قوى وجهود الجماعات ذات المصير المشترك، ومن اجل تجاوز هذه المشكلة ينبغي ولادة ثقافة جديدة يكون مقياسها المنجز على الارض دون الاسم التاريخي،

ثقافة تتسم بالمرونة والنظر الى المستقبل بدل التعلق بالماضي، ويكون مبدأها الاسمى اعلى ومتجاوزا لمبدأها القيادي، اى بمعنى انها تعيش نماطاً عملانياً مع مسألة القيادة والرمز، ولاتستهلك نفسها فى كارزما القائد الذى كل رصيده هو تاريخ فقط،

وبطبيعة الحال فهذا الحل هو حل طويل الامد، ولايمكن التكهن ماذا ستكون نتيجته حتى وان كان هنالك ثمة عمل على خلق هذه الثقافة الجديدة من خلال مناهج تعليمية او محاولات فكرية وتجديدية فى ثقافة الوسط العام.

هنالك تعقيدات اخرى لها دور كبير فى هذه المشكلة تتعلق بطبيعة المحيط الاقليمي والاستقواءات الداخلية بالخارج، وكذلك اسباب تتصل تعقيد وحدة مشكلة الواقع العراقي والذى يتطلب خبرة تاريخية طويلة واستقرار نسبي من اجل تلافي كل هذه التحديات،

وعدا ذلك فان الغلبة للتشتت فى قيادات مختلفة فى نهاية المطاف.

 كل ذلك ساهم فى عدم ولادة قيادة ذات نمطية عامة تعمل بروح المؤسسة، ولاتختصر بالنتيجة الى شخوص محددة او تاريخ اسرة، او امجاد تاريخية فحسب، بل يكون شخص القائد فيها محكوما بمقدار الانجازات التى يحققها على الارض، وبقدر مايحمل من نجاح على صعيد مواجهة الاخطار، او بناء مقدرات الجماعة التى تشكل القيادة محورا فيها.

 فلازال واقع القيادة فى العراق ليس سوى امتداد لواقع العشيرة او الاسرة حيث يكون الرمز او القائد رمزا فريدا لامثيل له، وحيث لايكون ثمة تفكير فى مسألة ماهو العمل فى حال غياب شخص هذا القائد.

 ان المفهوم الصحيح للقيادة الموحدة هي ان تتحول القيادة من قيادة اشخاص الى قيادة مؤسسة لها رؤيتها الموحدة، وتصوراتها الاستراتيجية، ونظامها الخاص الذى من خلاله يولد الرمز او القائد بشكل منظم،

اي ان تتحول القيادة الى نظام مؤسساتي يعمل بروح المؤسسة والكيان  لا بسلوكيات الافراد، وضمن خطة شاملة تسعى الى تحقيق اهدافها على مدى تاريخي ومستقبلي.

 اذن نحن بحاجة الى تجاوز الفرديات، والممارسات الجزئية والرمزيات الكارزماتية المبنية على اساس مجد اسري او تاريخي الى نمط اخر من الممارسة والمنهج، نمط تكون فيه الاولوية للكيان والمؤسسة، الكيان الذى يلخص اهداف ورؤى وطموحات الجماعة، والذى يحكم المساحة التى يتحرك فيها القادة الاشخاص ضمن اطار المبادىء والرؤى وميكانزمات العمل.

 ولكى يتحقق هذا فنحن بحاجة الى ثقافة جديدة تعتمد على مقياس اخر غير مقياس المجد والارث والعراقة التاريخي، بل مقياس يعتمد على كم وكيف المنجز على الارض، وحجم النتائج التى يولدها القائد الشخص ضمن هذا الكيان العام، ايا كان هذا الكيان او المؤسسة، دينياً او سياسياً او اجتماعياً.

وهذا يتطلب نمطاً اخر من الفكر والشعور، نمطاً يؤكد على القيمة العملية للفعل، وليس المبدأ فقط، فالالتزام بالمبدأ – مهما كان روحه وحقيقته- من دون مقياس عملي يحسب حساب النتائج يمكن ان ينسجم مع حتى الكوارث والخسائر التاريخية، لان طبيعة المبدأ لايفكر بالنتائج، بل هو شىء مكتف بذاته وهو مقياس نفسه فحسب.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s