تركيا والدولة الكردية: اللعبة السياسية الخاسرة

النشرة العراقية

الاربعاء، 16 تموز 2014

محمد نور الدين

Slide1

في أدبيات السياسة الخارجية التركية على امتداد عقود إنّ مجرد اقامة دولة كردية في شمال العراق هو “سبب للحرب”.
وحتى لا تصل الأوضاع في شمال العراق الى هذه اللحظة، اتفقت تركيا مع النظام العراقي السابق الذي كان يسيطر عليه “حزب البعث” بزعامة صدام حسين على مقاومة الطموحات الانفصالية لأكراد العراق.
وفي هذا الاطار، كان الاتفاق على توغل الجيش التركي في شمال العراق لمسافة تصل الى خمسين كيلومتراً لمطاردة مقاتلي “حزب العمال الكردستاني” الذين كانوا يناضلون من أجل انفصال اقليم كردستان التركي عن الدولة المركزية في انقرة، وكان الهدف من ذلك أيضاً إبقاء اكراد العراق تحت السيطرة، وعند الضرورة تحت النار الجاهزة .
لكن تركيا مع ذلك كانت تسير بنفسها الى ما يتعارض مع توجهاتها عندما قبلت بالسير في مخططات دولية – غربية أساساً – تجاه العراق كانت تؤسس لنشوء كيان كردي متمايز.
وبرغم التعاون بين صدام حسين وتركيا ضد الأكراد، إلا أنّ النزعة العثمانية للرئيس التركي الراحل طورغوت اوزال كانت تدفع به إلى التخلص من “تهديد” صدام حسين، لا سيما صواريخه، بحسب ما كانت تشيعه وسائل الإعلام التركية في مطلع التسعينيات.
وفي تلك الفترة تحديدا، ظهرت النزعة المسماة “العثمانية” الذي كان اوزال اول من اطلقها، وفي اطارها كان الكلام الكثير الذي خرج في تركيا حول “مسألة الموصل – كركوك”، وكان يقصد بها ولاية الموصل، التي تخلت عنها تركيا في اتفاقية رسمية مع العراق وبريطانيا في العام 1926.
مضت تركيا بقدميها ويديها ورأسها وشحمها ولحمها، كما يقال، الى حتف أدبياتها السياسية المتعلقة بأكراد العراق. وانتقلت لتكون جزءًا لا يتجزأ من الاستراتيجيات الغربية في ما يتعلق بتقسيم المنطقة العربية والاسلامية بدءًا من العراق.
وفرض الغرب في بداية التسعينيات تقسيم العراق الى ثلاث مناطق: اثنتان لحظر الطيران في الشمال والجنوب، وثالثة في الوسط تبقى في عهدة نظام صدام حسين. وبهذا الحظر تشكلت “قوة المطرقة”، ومركزها تركيا، من قوات العديد من الدول الغربية لتطبيق قرار حظر الطيران فوق المنطقة الكردية. وعلى هذا المنوال سارت الأمور: حماية دولية للمنطقة الكردية (بينما لم تتوفر هذه الحماية للمنطقة الجنوبية)، ومسار سياسي تشهده منطقة شمال العراق عبر تشكيل مؤسسات وانتخابات برلمانية وتأسيس حكومة وجيش باسم “البشمركة”، فيما الهدف النهائي كان تعزيز الكيانية الكردية الجديدة.
لعبت تركيا لعبة الكر والفر مع السلطة الجديدة في شمال العراق: انخراط في حمايتها من جهة، والعمل على زرع الشقاق بين تياري مسعود البرزاني وجلال الطالباني من جهة أخرى، لمنع وحدة الأكراد وتحولهم الى قوة قادرة على التحرك باستقلالية.
غير ان تركيا لم تستطع ان تخرج من تبعيتها للغرب، ولا ان تواجه وتقاوم الخطط الغربية للمنطقة.

وعندما حانت الظروف المناسبة بعد احتلال العراق من قبل الأميركيين، خرجت الخطط الغربية، ووراءها الاسرائيلية الى حيز التنفيذ، من خلال الدستور العراقي الموقت، ومن ثم الدستور الدائم، الذي وضع في النهاية صيغة فيدرالية للعراق: دويلة كردية في الشمال مارست أقصى درجات الاستقلالية في ما خص حدودها، وفي الوقت ذاته، تقاسم النفوذ في الحكومة المركزية وهو امر غير اعتيادي، وصار لسان حال الأكراد “ما لنا لنا… وما لكم لكم ولنا”، وأمّا مسألة كركوك، فالجميع كان يدرك انها مسألة وقت.

استقلت كردستان عمليا بحماية الغرب، وخرجت تركيا في عهد الاحتلال من المعادلة العراقية كعامل تأثير مباشر كما كانت في عهد صدام حسين. وكان على تركيا ان تمارس لعبة الدمى المتحركة، تارة مع الأكراد وتارة ضدهم. لا تدري ماذا تفعل مرتبكة ومترددة، فلم تجد في النهاية سوى الانقلاب على سياساتها السابقة، وبالتالي الاعتراف بالواقع الكردي الجديد في شمال العراق، أملاً في أنه سيكون رهينة لها وبوابتها الى العالم نفطياً، بل حتى برياً وجوياً… واكثر من ذلك، فإنّ انقرة تراهن على ان علاقات جيدة مع البرزاني تعني إضعافا لتيار عبدالله اوجلان في تركيا وسوريا.
لعبة هي تكرار للعبة محاولة زرع الشقاق بين الأكراد، التي أفضت في النهاية الى كيان كردي في شمال العراق. أما اللعبة الجديدة فليس من عاقل إلا ويتوقع، ولو بعد حين، ان تكون خاتمتها غير سعيدة على وحدة تركيا.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s