الطرف الأخير في المنافسة: التعاون الأمني الأمريكي وقوات البشمركة في كردستان

الطرف الأخير في المنافسة: التعاون الأمني الأمريكي وقوات البشمركة في كردستان

النشرة العراقية

الاربعاء، 30 تموز 2014

KRG USA

مايكل نايتس و سام ميتز

معهد واشنطن لسياسات الشرق الادنى

في 22 تموز/يوليو 2012، شن تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» («داعش») هجماته على مواقع «حكومة إقليم كردستان» في أحياء الأكراد من مدينة تل كيف الواقعة بين أربيل والموصل، حيث هاجمها مقاتلو «داعش» بآليات عسكرية مجنزرة ومدولبة كانوا قد استولوا عليها من الجيش العراقي والشرطة الاتحادية. وقد جاء هذا الاعتداء إشارةً أخيرة على أن الهدنة الهشة بين الطرفين تتداعى بسرعة، وذلك بعد مقتل عشرات الأكراد في الاشتباكات على طول الحدود منذ حزيران/يونيو. وبما أن الأكراد يحاربون على جبهات أمامية ممتدة على أكثر من 400 ميل قبالة المناطق الخاضعة لسيطرة القوات الموالية لتنظيم «داعش»، فإنهم بحاجة إلى دعم عسكري من الولايات المتحدة.

ضبط الجبهة

تشتبك قوات ميليشيا البشمركة التابعة لحزب «الاتحاد الوطني الكردستاني» – أحد الأحزاب السياسية الرئيسية الثلاثة في كردستان العراق – مع «داعش» في محيط بحيرة حمرين وطوزخورماتو وكركوك منذ أسابيع. ولا يزال «الاتحاد الوطني الكردستاني» يسمح للقوات الجوية الاتحادية العراقية باستخدام قاعدة كركوك الجوية التي تخضع حالياً لسيطرته من أجل قصف قوات «داعش» على تلك الجبهة، لا بل اتخذ مؤخراً الحزب المذكور خطوة غير مسبوقة حين بدأ يسمح للميليشيات الشيعية بدعم المعاقل الشيعية قرب كركوك وطوز خورماتو من خلال استخدام مطار السليمانية والطرق البرية داخل «حكومة إقليم كردستان». وعلى هذا المنوال يتم جرّ «الحزب الديمقراطي الكردستاني» – الحزب الكردي الأكبر في العراق – تدريجياً إلى القتال ضد «داعش»، إذ تشن هذه الأخيرة غارات عنيفة على الأكراد السوريين بمحاذاة المناطق الخاضعة لسيطرة «الحزب الديمقراطي الكردستاني» وبدأت بتطهير الموصل من الأكراد، ويجري ذلك على بعد 40 ميلاً فقط غرب أربيل عاصمة «حكومة إقليم كردستان». كما أن اعتداء تل كيف وقع ضد قوات «الحزب الديمقراطي الكردستاني».

مع أخذ هذه التطورات بعين الاعتبار، بدأ السياسيون الأكراد من جميع الأحزاب يدركون بصورة أكثر أن الموقف الرافض للاعتداء تجاه «داعش» – التي اختصرت اسمها مؤخراً إلى «الدولة الإسلامية» بعد أن أعلنت قيام الخلافة في بعض أجزاء من سوريا والعراق – لا يمكن له أن يدوم. ففي 2 تموز/يوليو، لفت فؤاد حسين رئيس ديوان رئاسة «حكومة إقليم كردستان» بزعامة مسعود بارزاني – عندما خاطب منتدى سياسي في معهد واشنطن – إلى  أن “«داعش» لا تهاجم الأكراد اليوم ولكنها ستهاجمهم غداً”. هذا وبدأ الأكراد أيضاً بصياغة مطالبهم في حال تعاونهم في حملة ضد «داعش» تكون فيها كردستان العراق منصة إطلاقها المثلى. وفي 20 تموز/يوليو، أضاف مسرور بارزاني رئيس مجلس الأمن الوطني في «حكومة إقليم كردستان» أن “«داعش» تملك اليوم الكثير من المعدات العسكرية الحديثة، وأعتقد أن البشمركة ستحتاج إلى معدات أفضل بكثير من أجل محاربتهم.” وبالفعل يستحق الأكراد تعزيز الدعم الأمني الأمريكي لهم، خاصة على سبيل التحوط من الصعوبات التي تكتنف التعاون الأمني بين الولايات المتحدة وقوات الأمن العراقية الاتحادية المشتتة والخاضعة للنفوذ الإيراني.

البيشمركة

وتمثل البشمركة (أي “أولئك الذين لا يخشون الموت”) الكوادر المقاتلة التقليدية للأكراد. فبعد تأسيس «حكومة إقليم كردستان» في عام 1992، بدأت البشمركة تتطور شيئاً فشيئاً لتصبح القوات المسلحة الموحدة للمنطقة الكردية. لكن هذا التطور غير تام بشكل كامل: فقد تم تشكيل 33 ألف عنصر من البشمركة في عشرة فرق تدعى «كتائب الحرس الإقليمي» وتخضع لإمرة وزارة البشمركة في «حكومة إقليم كردستان»، على أن يتم في النهاية تشكيل 70 ألف عنصر من البشمركة في 21 كتيبة من «كتائب الحرس الإقليمي». واليوم يخدم 30 ألف عنصر آخر من البشمركة في قوات «الزيرفاني» – وهي شرطة شبه عسكرية مماثلة للدرك – في وزارة الداخلية بـ «حكومة إقليم كردستان». وثمة أيضاً 70 ألف عنصر على الأقل يتوزعون على وحدات تقليدية أصغر حجماً وتخضع مباشرة لإمرة المكتب السياسي لكل من حزب «الاتحاد الوطني الكردستاني» و«الحزب الديمقراطي الكردستاني».

وجدير بالذكر أنّ التعصب والتعبئة السريعة هما نقطتا قوة البشمركة. فهذه القوات في «كتائب الحرس الإقليمي» تتمتع اليوم بتجهيز بدروع واقية عالية المستوى وتعتمد على الأسلحة الثقيلة التي استولت عليها من عهد صدام حسين، من مدافع ودبابات وحاملات أفراد وأسلحة مضادة للدبابات. وبعد تفكك الوحدات العسكرية العراقية الاتحادية مؤخراً في المناطق التي سيطرت عليها البشمركة لاحقاً، استحوذت كردستان كذلك على أعداد كبيرة من الشاحنات المدرعة ومركبات الدعم وقطع المدافع المقدمة من الولايات المتحدة.

لكن على الرغم من هذه الميزات، لا تزال قوات البشمركة تعاني من نقصٍ ملحوظ في التطور. فباستثناء «كتائب الحرس الإقليمي»، تبقى معدات وحداتها بدائيةٍ والأسلحة الثقيلة غائبة عنها إلى حد كبير. وخلال الأزمات، تعتمد البشمركة على الإمكانيات المرتجلة من ناحية اللوجستيات والهندسة والاتصالات والحاجات الطبية، مستعينةً بشكل أساسي بالشعب وبالوكالات المدنية التابعة لـ «حكومة إقليم كردستان». وباستثناء بعض المروحيات الصغيرة وغير المدرعة، ليس لدى البشمركة أي دعم جوي حالياً.

وبينما ترفض بغداد منذ عام 2003 أن تموّل أي قوات عسكرية تابعة لـ «حكومة إقليم كردستان» باستثناء الزيرفاني (التي يتم تمويلها اسمياً من قبل وزارة الداخلية الاتحادية)، استنزف تشغيل البشمركة ميزانية «حكومة إقليم كردستان» بشكل هائل. وبالفعل لا تزال بغداد تحجز جميع مدفوعات الرواتب الشهرية لـ «حكومة إقليم كردستان» بسبب الخلافات حول عقود النفط وترتيبات تقاسم الإيرادات. وفي ظل هذه الظروف، أصبح من الصعب بشكل خاص على كردستان تمويل صيانة عملية التعبئة الحالية وشراء المعدات الجديدة وتوفير التدريب.

التعاون الأمني بين الولايات المتحدة وكردستان

يُفترض أن يكون التعاون بين الجيش الأمريكي والبشمركة ممتازاً، وذلك نظراً للتأييد الكبير الذي أبداه الأكراد تجاه الولايات المتحدة على مدى عقود، وإلى الدور المحوري الذي لعبته الولايات المتحدة في إطار حماية «حكومة إقليم كردستان» الناشئة والإطاحة بصدام، وكذلك التقارب المبدئي الذي يشعر به الجنود الأمريكيون والأكراد كونهم يقاتلون المتمردين نفسهم منذ أكثر من عقد من الزمن. ولكن على أرض الواقع كانت الولايات المتحدة تكافح لتتمكن من العمل عن كثب مع جيش كردستان العراق. وإحدى العقبات التي واجهتها هي العلاقات المتوترة بين بغداد و «حكومة إقليم كردستان»، إذ اعتبرت الحكومة الاتحادية أنه لا يجب السماح لكردستان سوى بتأليف وتشغيل قوة شرطة شبه عسكرية تكون صغيرة وخفيفة التسلح، كما منعت الأكراد من الحصول على شهادات المستخدم النهائي من أجل شراء معدات ثقيلة. وما زاد الأمور تعقيداً هو الاشتباكات والأجواء المتوترة بين الأكراد والقوات الاتحادية. وقد طالبت الولايات المتحدة بمجموعة إصلاحات عسكرية في كردستان العراق قبل أن تلتزم بتطوير البشمركة والزيرفاني بالكامل، بما في ذلك الدمج التام لمثل هذه القوات في وزارات «حكومة إقليم كردستان» على أن تخضع لإشراف برلماني وإشراف على الميزانية عوضاً عن خضوعها لسيطرة الأحزاب السياسية. والأثر البحت الذي نتج عن التردد الأمريكي هو تأليف ثمانية كتائب فقط لحرس «حكومة إقليم كردستان» بمساعدة أمريكية قيمتها 92 مليون دولار (مقارنةً بـ 109 كتيبة مدعومة من الولايات المتحدة وتابعة لحكومة العراق الاتحادية بكلفة تزيد عن 25 مليار دولار). وها هي هذه الوحدات الكردية الثمانية سالمة لم يمسّها ضرر، فيما تفكك نحو ربع [وحدات] القوات الاتحادية.

وتجدر الإشارة إلى أن التعاون الأوثق بين الولايات المتحدة والأكراد حصل على مستوى وحدات مكافحة الإرهاب؛ وأمام تهديد «داعش» تم إنشاء “مركز جديد للعمليات المشتركة” لتوسيع هذا التعاون. وحتى عام 2011 كانت الولايات المتحدة تعتمد ما يعرف بـ “الآليات الأمنية المشتركة”، وهي مجموعة من مراكز القيادة وحواجز التفتيش الثلاثية الأطراف – بين الولايات المتحدة والعراق و «حكومة إقليم كردستان» – كان الهدف منها تفادي الاشتباكات بين القوات الاتحادية والقوات الكردية. وقد أبدى الأكراد انفتاحاً كبيراً من حيث استعدادهم لقبول وجود عسكري أمريكي طويل الأجل في كردستان، كما وقام الجيش الأمريكي في مراحل مختلفة بنشر معدات سابقة التمركز (من دبابات وآليات مدرعة) في منطقة «حكومة إقليم كردستان» من أجل طمأنة الأكراد إلى أن واشنطن لن تسمح لبغداد بالضغط عسكرياً على كردستان العراق في المستقبل.

التداعيات على السياسة الأمريكية

بحكم التجربة المشتركة المهمة والتضحيات التي قدمها الطرفان في خضم حربهما مع المتمردين في العراق، يبقى الجيشان الأمريكي والكردي شريكين أمنيين طبيعيين. كما أنّ الحدود الطويلة التي تفصل كردستان العراق عن «داعش» والبيئة الأمنية الآمنة فيها تجعلان من هذا الإقليم موقعاً مثالياً لنصب قاعدة جوية لطائرات الاستطلاع الأمريكية وعمليات “القوات الخاصة” ضد «داعش»، أعلنية كانت أم سرية. فقد باتت القوات الكردية وصيةً اليوم على مساحات كبيرة من الأراضي الجديدة، لا بل أصبحت حارسة للأقليات غير الكردية التي تتعرض لهجمات يومية من «داعش». والواقع أن الوفاق الطويل الأمد بين الأكراد والقوميات المجاورة يعدّ حيوياً للاستقرار في شمال العراق. وكما يتبين من الأعمال الأخيرة لـ «الاتحاد الوطني الكردستاني»، بوسع الأكراد أن يسهلوا دعم الفرق الممانعة التابعة لقوات الأمن الاتحادي عبر مطارات كردستان العراق. فالأكراد يسيطرون على قسم كبير من الحدود العراقية مع سوريا، مما يوفر ممراً مفيداً إلى المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة.

وتستوجب هذه العوامل تحديث التحالف العسكري الأمريكي مع الأكراد. فمن شأن هذا التطوير أن يحسّن العلاقات بين الولايات المتحدة و «حكومة إقليم كردستان» عقب بضع سنوات عصيبة من الخلافات حول مجموعة كبيرة من القضايا. وفي حال وضع برنامج ضخم وجديد للتعاون الأمني، يمكن الاستعانة بـ “صندوق الشراكة لمكافحة الإرهاب” الذي تقدّر قيمته بخمسة مليارات دولار. وبفضل أمنها الجيد ومطاراتها الممتازة، تشكل كردستان العراق الموقع الأمثل لتنفيذ برنامج كبير للتدريب والتجهيز العسكري من الولايات المتحدة بشكل آمن، وذلك للقوات الكردية والعراقية على حد سواء.  بالإضافة إلى ذلك أن العملية المزمعة لإعادة تنظيم القوات المسلحة العراقية ضمن جيش وطني وحرس وطني قد تفتح المجال أمام «كتائب الحرس الإقليمي» الكردية للحصول على تعاون أمني أكبر من الولايات المتحدة.

وتستطيع الولايات المتحدة أن تساعد أيضاً في التفاوض على الاستعمال النهائي للأعداد الكبيرة من الآليات والأسلحة التي تخلى عنها الجيش الاتحادي والتي تتواجد اليوم بحوزة الأكراد. فهذه المعدات، التي موّلها دافعو الضرائب الأمريكيون بالدرجة الساحقة، تحتاج إلى خدمات دعم كبيرة من الجانب الأمريكي لتبقى صالحة للاستعمال. والصفقة التي تبدو منصفة في هذا الإطار تتمثل بنقل بعض العتاد إلى عملية إعادة تجهيز البشمركة بدعم أمريكي وبعضه الآخر إلى الحكومة العراقية. فزيادة التمويل الاتحادي لقوات البشمركة والزيرفاني قد تمهد الطريق أمام اتفاق مماثل كما وقد تطلق شرارة التعاون الأمني بين الولايات المتحدة و «حكومة إقليم كردستان» وربما حتى التعاون بين الحكومة الاتحادية و «حكومة إقليم كردستان» أيضاً.

مايكل نايتس هو زميل ليفر في معهد واشنطن ومقره في بوسطن. سام ميتز هو باحث متدرب في المعهد.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s