و أخيراً ولدت الحكومة / الجزء الثالث

النشرة العراقية

الثلاثاء، 16 أيلول، 2014

فراس طارق مكية

بغداد

gov born3 

الكابينة و بعد استكمال تشكيلتها ستشتمل كما ذكرنا على 33-34 مقعداً

17 منها للشيعة (50%) (إحداها للتركمان) و 11 للسنة (32%) و 5 (15%) للأكراد (قد تكون إحداها لليزيديين) و أخرى للمسيحيين (3%).

عكست النسب داخل الكابينة اختلالاً ديموغرافياً و نيابياً غير منطقي و غير مسبوق يصب في صالح السنة العرب بما يقرب من تهديداتهم الأخيرة التي سبقت الجلسة و باجحاف واضح على حساب الأكراد و هذا ما يفسر ممانعتهم و ترددهم الشديد في الدخول في الوزارة بعد سلاسة موافقتهم على منهاجها – و هي المسألة الأعقد – إبان المفاوضات.

مقاعد الشيعة لم تنقص سوى مقعداً واحداً بينما خسر الأكراد 3 مقاعد للسنة، و من الواضح أن إعادة السنة إلى الحياة السياسية و محاولة إعطاء صورة مضادة عن تهميشهم الذي أدى لتمكين داعش من كل هذا الخراب كان له الأولوية على كل شئ و بأي ثمن و لو بمثل هذا الاختلال المجحف بحق الأكراد.

شيعياً توزعت المقاعد بواقع 3 وزارات للمجلس الأعلى (النفط و النقل و الشباب و الرياضة) و 4 للتيار الصدري (نائب رئيس الوزراء و الصناعة و الإعمار و الإسكان و الموارد المائية) و 3 وزارات لبدر (الاتصالات و البلديات و حقوق الإنسان) و 2 وزارتين لحزب الدعوة تنظيم العراق (الصحة و العمل) و 1 وزارة واحدة للإصلاح (الخارجية) و 1 وزارة واحدة لمستقلون (التعليم العالي) و وزارة واحدة 1 للفضيلة (العدل) مع احتفاظ حزب الدعوة طبعاً بمقعد رئيس الوزراء و إرجاء البت بوزير الداخلية المتجاذب بين بدر سواء كان العامري أو الأعرجي و بين شخصية مستقلة قد يكون الجلبي المحسوب على مقاعد التيار أو قاسم داود من كتلة التضامن المحسوبة مع المجلس الأعلى أو موفق الربيعي المحسوب على كتلة المالكي.

هذا و قد كان التبادل بين حقيبتي الدفاع و الداخلية طائفياً محسوماً في بداية مفاوضات تشكيل الحكومة في ظل إصرار شيعي على امتلاك الدفاع هذه المرة كيلا تصبح “سنّةً للسنّة” و مع إدراكهم بتقليص صلاحيات وزارة الداخلية إلى حد كبير لصالح المحافظات بتفعيل القانون الأخير المجمّد من قبل المالكي و تماشياً مع المشروع الأمريكي الجديد بلامركزية الملف الأمني، إلا أن محاججة المفاوضين السنة قطعت الطريق عليهم إذ تذرعوا بأن مهمة الحكومة القادمة إنما ستكون بإدارة الحرب ضد داعش و كلها ستكون في أراضٍ سنية و هذه الحالة لا يمكن أن تستقيم بوزير دفاع شيعي يفسّر استيزاره بحسن نية طائفية على إرث من التهميش و الإقصاء الطائفي الذي شجع هذه المحافظات تحديداً على ولادة داعش نتيجة لسياسة الحكومة السابقة، فلا يمكن أن تباشر الحكومة الجديدة سياستها بمثل هذه المبادرة.

المنطق السني و لأول مرة كان من القوة بحيث استجاب الشيعة للوسيط الأمريكي عند عرضه لهذا الطلب خصوصاً مع يقينهم بأن ملف الجيش عموماً سيبقى في عهدة القائد العام للقوات المسلحة.

أما الأكراد فقد استأثر الحزب الوطني الديمقراطي لحد الآن بالمنصبين الرئيسيين (نائب رئيس الوزراء و المالية) و الاتحاد الوطني الكردستاني بوزارة واحدة (الثقافة) و تسرب أن وزارة المرأة ستكون لفيان دخيل المحسوبة على الحزب الوطني الديمقراطي، اما الهجرة و المهجرين التي لا بد أنها ستمنح للأكراد لتعويض النقص الحاصل في نسبتهم فستكون لإحدى الأحزاب الكردية الإسلامية (الإتحاد الإسلامية أو الجماعة الإسلامية) التي لم تستلم شيئاً لحد الآن أو للإتحاد الوطني الكردستاني الخاسر الكردي الأكبر في هذه الصفقة إذ أن حركة التغيير قد حققت طفرة في أحلامها في الصعود لمنصب نائب رئيس مجلس النواب و لن تجرؤ على الطمع بوزارة في ظل ظروف الشحة الوزارية الكردية. السنة استغلوا السخاء الوزاري باستثماره في إرضاء كتلهم المشتتة عبر توزيع وفرة المناصب على فصائلها إثر صراع مرير من الإنقسامات بينهم خلال فترة المفاوضات.

العبادي و إن بدا عنيداً و قوياً لمجابهة الكتل و مقاومة تبعات المحاصصة السياسية إلا أن أعضاء وزارته الذين استعرضهم بددوا هذا الانطباع الخادع إذ كانت شخصيات الوزراء الجدد إحدى أبرز خيبات الأمل من الكابينة الجديدة حيث انعدمت فيها الكفاءات إلا نادراً و كانت حكومة محاصصة تقليدية بعيدة عن كل الآمال التي علّقت على تشكيل حكومة تكنوقراط توفر الخدمات للمواطن المنهك الذي كانت جل مراهنته على هذه النقطة، و لكن لنقف قليلاً و نتساءل ما مدى واقعية هذه الآمال؟

إن ظروف تشكيل الحكومة تأتي و البلد قد سقط نصفه فيما النصف الآخر لا يزال في حالة حرب استُنفِر لها كل من يستطيع حمل السلاح و من لا يستطيع أمام عدو يتمدد سرطانياً بدت قوى إقليمية بل و أممية عظمى عاجزة تماماً عن مكافحته فضلاً عن القضاء عليه بحيث تضطر اليوم للدخول في تحالفات واسعة للتصدي له. كانت سياسة الحكومة النوم في العسل و المزايدة على التصدي لهذا العدو بجيش تبخر بين يوم و ليلة و الاستمرار على نفس السياسة التي أوصلت البلد إلى الانهيار التام و كانت مسألة ساعات بانتظار أن تسقط العاصمة و ينتهي كل شئ. ايقاف الانهيار جاء بمعجزة من السماء – من خارج الدولة طبعاً – و كانت المعجزة كالعادة من النجف التي أطلقت فتوى مفاجئة للغاية بالاستنفار للجهاد، أي أن الدولة فعلياً قد انهارت، و قد وصل الدور إلى الشارع أي إلى الدفاع بالرمق الأخير. الكل بدا مدهوشاً أمام تفكك الدولة الكارتونية و التساؤل عن سر هذه الهشاشة التي نخرت في كيانها، وفي وسط هذه الدهشة العاجزة عن اتخاذ أي قرار أطلق أسطورة الصمت مفاجأته الثانية و قد أصبح سيد المبادرة أن الحل الوحيد ببساطة هو الحل السياسي إذ لا يوجد حل عسكري ممكن مهما علت جعجعات القائد الضرورة فقد اعتدنا على انتصارات مشابهة عندما تبخرنا في أم المعارك و أم الحواسم، واعجبا: كيف سنسترجع الموصل؟ أبنفس الطريقة التي ضيعناها بها!

ملامح انتصار الحل السياسي بدت بنجاح معجز في إطلاق عجلة العملية السياسية و المضي بها عبر عقد جلسة مجلس النواب الأولى في مدة قياسية و تشكيل الحكومة في فقط أربعة أشهر و نصف مقارنة بثمانية أشهر و نصف للحكومة السابقة مع أن الحكومة الحالية تتطلب توافقاً وطنياً مستحيلاً لعكس التيار ضد خيار التقسيم الذي فرض نفسه حلاً حتمياً بديلاً للدولة المنهارة. لقد منحت الثقة بعد جهدٍ جهيد و كان الرهان على نفس عملية تشكيل الحكومة و تحديداً على جمع مكونات الشعب العراقي في تشكيلة تتمتع بمقبولية وطنية واسعة تكون أساساً لحل إعادة بناء الدولة لتحجيم خيار التقسيم واقعياً و إعادة الثقة بإمكانية التعايش ضمن عراق واحد وقد كان ذلك هو منهج الحكومة الجديدة باختصار، ومن الواضح أن جميع الرهانات والمهام الأخرى مؤجلة وتأتي في مرتبة تالية لهذا الرهان ومنها الآمال غير المستحيلة بحكومة خدمات عبر كابينة تكنوقراط حتى وإن اقتصرت على بعض الوزارات الخدمية دون الأخرى السيادية، بالطبع فإن وأد المحاصصة السياسية كان مجرد أضغاث أحلام و كان الفارغون المنادون بتلك الشعارات خارج عجلة التاريخ كالعادة!

خيبة الأمل الشعبية العارمة بوزارة العبادي بتركيبتها الحزبية المحضة لا تبدو حدة آلامها مبررة ضمن هذا الواقع إذ إن هناك نصف كأسٍ ملآن بل طافح ينبغي النظر إليه والتمعن فيه، فمن يراهن على بناء دولة مزدهرة ينبغي أن تكون عنده دولة أولاً.

النقطة المهمة لتقييم حكومة د.حيدر العبادي إنما تكمن في ترتيب أولويات الرهان عليها وتحديد المطلوب منها، فالرهان على بناء الدولة يشجعنا على اعتبار حدث تشكيل الحكومة نجاحاً كبيراً، أما الرهان على الخدمات التي تقدمها الحكومة فلن يرى في تركيبة الحكومة سوى خيبة أمل كبيرة، وما بين الرهانين واقع يتطلب عملاً وحلم يستدعي ألماً. إلى جانب نصف الكأس الملآن هناك كأس ملآن آخر وهو حكومة الأقوياء (طرح المجلس الأعلى شعاره شراكة الأقوياء شعاراً لمشروع الحكومة القادمة مقابل شعار الأغلبية السياسية الذي يطرحه المالكي في كل انتخابات، ومجريات الأمور سارت فيما يبدو بالاتجاه الأول ما يلقي الضوء مجدداً على مركز صنع القرار والسياسات في التشكيلة الجديدة) فلأول مرة تشهد الكابينة زخماً سياسياً قوياً و بهذه الشدة المتمثلة باستيزار أكبر حشد من أقطاب العملية السياسية ما يدل على إدراك الجميع للرهان السياسي المعلق على عاتق هذه الحكومة ويؤكد أولوية دورها السياسي في إعادة بناء الدولة. فالعبادي – على الأقل قبل تمكنه من تجذير سلطته – لن يكون رئيساً للوزراء بقدر ما سيكون عضواً في مجلس رئاسة الوزراء الذي سيضم بالإضافة إليه عادل عبد المهدي و باقر جبر الزبيدي و إبراهيم الجعفري و روز نوري شاويس و هوشيار زيباري و صالح المطلك و سلمان الجميلي و قد يضم إليهم هادي العامري أو أحمد الجلبي أو قاسم داود، كما يمكن إضافة حسين الشهرستاني و بهاء الأعرجي و قاسم الفهداوي و فرياد راوندوزي لهم، و هذه المجموعة العملاقة تشكل تقريباً نصف الكابينة وهي بادرة أكثر من إيجابية إذا ما أدرك هؤلاء القادة ضرورة الإنسجام لبلورة وديمومة الحل السياسي وهو ما لا يرتجى منهم عادةً! خصوصاً مع اشتمالهم على بعض من أطراف الأزمة كالشهرستاني والجميلي وزيباري والعامري، إلا أن الباقين – و مع وجود مشروع مسبق للشراكة – قد يسمح لنا ببصيص من الأمل.

تنفس الجميع الصعداء بعد أن انتهت عملياً عملية منح الثقة و لكن كان لا بد من بعض المنغصّات التي نفّست بعض الكتل التي لم ترتوِ من القسمة عن نفسها فيما أثارته من اعتراضات و نقاط النظام تعقيباً على التصويت، غير أن سليم الجبوري تجاوزها كرجل دولة بكلمة واحدة “شكراً”، و كأن شيئاً لم يكن!

د.سميرة الموسوي أشارت إلى اعتذار كتلتها “مستقلون” عن الإشتراك في الحكومة بكتاب رسمي موجه من الكتلة إلى رئيس الوزراء المكلف (في الحقيقة في ظهر يوم انعقاد الجلسة)، يونادم كنّا أشار إلى أن الوزير المسيحي جاء رغماً عن أربعة من ممثلي الطائفة الخمسة وهذه مجزرة بحق المسيحيين تضاف لما جرى عليهم في الموصل (إذن كان العبادي متواطئاً مع داعش حسب هذا المنطق!)، ضياء الأسدي أشار إلى حضور مرشح كتلته الأحرار لوزارة الموارد المائية فإذا ما كان ثمة اعتراض من رئيس الوزراء على ترشيحه فليتفضل بمناقشته (و خصوصاً أن الأحرار شريك أساسي في تشكيل الحكومة التي تتكأ على حافة الثقة)، خسرو كوران أشار إلى عدم منطقية استيزار وزراء التحالف الكردستاني قبل الاتفاق على شروط دخول التحالف في الوزارة أصلاً.

كان يمكن أن تمثّل أيّاً من هذه الاعتراضات كارثةً سياسيةً تجهز على الوزارة في مخاض ولادتها لولا أن العجلة قد دارت بالعملية السياسية والواقع قد فرض نفسه بحيث كان من السهل على صاحب السلطة في جلسة البرلمان أن يتجاوز بجرة قلم هذه الإعتراضات – التي هي فعلاً نقاط نظام تطعن في شرعية الحكومة المشكلة أو على الأقل على الوزراء المعنيين خصوصاً وقد تم القفز على احتساب الأصوات – ليتمتم بأن هذه مشاكل سياسية تعالج عبر الكتل مع رئيس الوزراء و ليس محلها في مجلس النواب و كفى الله المؤمنين شر نقاط النظام!

و هكذا أدى رئيس الوزراء والوزراء القسم خلف رئيس السلطة القضائية في 10:10 مساءً، و لعل هذا التوقيت هو الفأل الحسن الوحيد في هذه الجلسة العصيبة التي يأبى كل شئ فيها أن يمر بسلام، فقد امتنع عن تأدية القسم د.حسين الشهرستاني استنكافاً عن الوزارة التي منحت له و غاب معه الوزراء الكرد الذين لم يحضروا الجلسة التي غاب عنها أيضاً رئيس الإقليم و رئيس وزرائه و رئيس برلمانه حيث لا زال الأكراد رافضين لحصتهم من الوزارة وما كان دخولهم للجلسة إلا تلبيةً للضغوط الدولية بضرورة استعراض صورة ولو موهومة عن الوحدة الوطنية ممثلةً بحضور جميع المكونات في مجلس النواب ولو رغماً عنهم.

في الساعة 10:14م انتبه رئيس مجلس النواب د.سليم الجبوري بالصدفة إلى وجود شخص يدعى “رئيس الجمهورية” عندما وصل إلى فقرة منح الثقة لنوابه فتدارك غفلته بالإعتذار و المبادرة إلى تحيته بعد ساعة و نصف من بدء الجلسة مع أنه رمز الدولة قبل أن يكون رأسها، و لكم كان الأمر محرجاً بعدم الإلتفات لوجود رئيس يعاني حرجاً من انعدام صلاحياته و انحصار منصبه بالمراسم التشريفية، ويا للحسرة فحتى هذه قد نساها رئيس مجلس النواب! مضى الجبوري بقراءة كتاب رئيس الجمهورية د.فؤاد معصوم الذي يرشح فيه نوابه نوري المالكي و أسامة النجيفي و إياد علاوي و يطلب منح الثقة لهم من قبل البرلمان.

كان تعيين ثلاث نواب لرئيس الجمهورية عديم الصلاحيات خيبة الأمل الأخيرة في مشهد تشكيل الحكومة و مهزلة مؤلمة في الاستهتار بالفساد السياسي و لا مسؤولية الطبقة السياسية المتمثلة بسياسة اختراع المناصب لإرضاء شهوة السلطة و كأن ثمان سنوات من الحكم المطلق غير كافية لإشباع النهم لحب الظهور و لكن الإمارة و لو على حجارة و الإصرار على كابوس الأربعاء حتى ما بعد اللحظة الأخيرة (مع انتفاء الحاجة لمنصب نائب رئيس الجمهورية أساساً، إلا أن نوري المالكي انفرد من بين النواب الثلاث أنه جاء خارج نظام النقاط على ما يبدو و لمجرد الترضية و تفادي المشاكل. الحالة المثالية اعتماد الكفاءات مع الابتعاد قدر الإمكان عن المحاصصة الحزبية الذي يكرسها نظام النقاط بأشد صورة بحيث لا يفسح أي مجال للتكنوقراط، و لكن على الأقل يجب أن يصمم نظام النقاط وفق الحاجة الفعلية للدولة و ليس باختراع مناصب لاستنفاذ النقاط، أما اختراع مناصب إضافية خارج النقاط فهذا فوق التصور). أما شخوص النواب و هم أقطاب الصراع السياسي و قد اتخذ صراعهم هم بالذات منحىً شخصياً كان محل تندر من قبل الجميع و قد تساءلوا “هل سيستطيع الرئيس معصوم أن يجمعهم حول طاولة واحدة ولو لمرة واحدة!” وما جدية حكومة متنافرة إلى حد الشلل؟

إثارات الشارع العراقي كانت إلى حدٍّ ما سطحية إذا ما تفحصنا حجم رئيس الجمهورية و موقعه في النظام السياسي الحالي وقد تناسى أن الولاية الثانية مضت بلا رئيس جمهورية أصلاً وبغياب اثنين من نوابه ولم نكن نسمع بالثالث إلا عندما يوقع حكماً بالإعدام أو عندما يزور عائلته في كندا!

النصف الملآن من القدح كما ذكرنا كان متضمناً في إصرار جميع الكتل السياسية متمثلةً بقادتها في المشاركة بالحكومة مع ما يمنحه من قوة في شرعيتها وتمثيلها للمكونات ومقبوليتها وهو الهدف الأساس من تشكيل الحكومة وهذا ما يعزز من إمكانية الحل السياسي (و إن كان من الواضح – و الله العالم بالنوايا – أن مشاركة هؤلاء القادة كانت جرياً وراء المناصب و ليست سعياً وراء الحل!)، كما أن مشاركة الأقطاب مجتمعين في الحكومة الجديدة مما سيمنحها زخماً سياسياً و معنوياً إضافياً عبر هالة الإجماع السياسي بهذه الدرجة من القوة.

و مع التغاضي عن النوايا – و الله العالم بالنوايا – فقد برزت ظاهرة إيجابية (اندثرت منذ آخر نظام ديمقراطي في العراق في العهد الملكي) في هذه الحكومة و هي مشاركة زعماء و قادة سياسيين من الدرجة الأولى في مناصب دون مناصبهم السابقة أو دون ما يطمحون إليه من مناصب و هذا غير معهود في العرف الإجتماعي قبل أن يكون غير مستساغ في العرف السياسي فرئيسا الوزراء إياد علاوي ونوري المالكي قد شاركا نواباً لرئيس الجمهورية، و رئيس الوزراء إبراهيم الجعفري أصبح وزيراً للخارجية، و المرشح لرئاسة الوزراء عادل عبد المهدي وزيراً للنفط و المرشح الآخر أحمد الجلبي يستميت في الوصول للكابينة نائباً لرئيسها أو وزيراً للداخلية أو حتى للموارد المائية، و نائب رئيس الوزراء والمرشح لرئاسة الوزراء حسين الشهرستاني وزيراً للتعليم، ونائب رئيس الوزراء روز نوري شاويس وزيراً للمالية، والمرشح لرئاسة الجمهورية صالح المطلك ظل في موقعه نائباً لرئيس الوزراء، و رئيس مجلس النواب و المرشح لرئاسة الجمهورية أسامة النجيفي نائباً لرئيس الجمهورية وهكذا، و هذا ما يسمح بكسر العرف لإعادة الإستفادة من الناجح منهم في مواقع أخرى بروح ديمقراطية و عدم إنهاء الحياة السياسية بمجرد تداول السلطة، و إن كان سيفسح المجال أمام احتكار الطبقة السياسية بغثها و سمينها للسلطة.

في الساعة 10:21م جرى التصويت على نواب رئيس الجمهورية بسلة واحدة و بأغلبية واضحة كالعادة مع أنه كان من الممكن أن تحتسب الأصوات بدون إحراج لأن الكل مضطر لمنح الثقة كون الصفقة بسلة واحدة، إلا إذا كان نواب رئيس الجمهورية سيحصلون على أصوات تفوق الأصوات التي حصل عليها رئيس الجمهورية نفسه خصوصاً و أنه لم يفز من الجولة الأولى! أعقب ذلك تأدية القسم من قبلهم خلف رئيس السلطة القضائية مجدداً.

انتقل الرئيس الجبوري الذي أرهق كثيراً إلى الفقرة الأخيرة من جدوله نحو انتخاب نائبه الأول بديلاً عن العبادي الذي أصبح رئيساً للوزراء ففتح باب الترشيح الذي اقتصر على الشيخ همام حمودي مرشح التحالف الوطني الذي أعلنه رئيس التحالف د.إبراهيم الجعفري، وهنا طالب رئيس مجلس النواب بإعادة احتساب الحضور قبل التصويت مع أن الجلسة إذا ما انعقد نصابها لا يختل حتى ولو خرج من الأعضاء ما يخل به و لكن يبدو أن الرئيس لاحظ موجة انصراف من قبل العديد من النواب بعد انتهاء التصويت للوزارة ولنواب رئيس الجمهورية، و فعلاً فقد أعلن أن الحضور 197 نائباً أي خرج ما يقارب المئة نائب في حركة تخلو من اللياقة ومن المسؤولية معاً. الانتخاب الذي أجراه الرئيس على عجالة خلا من الدقة فلم ينادِ على أسماء الأعضاء كما هو المعتاد في انتخاب رئيس المجلس ونوابه و إنما جرت العملية بطريقة أقرب للفوضى بإيكالها للنواب أنفسهم و قد جاءت نتيجة الانتخاب بتأييد 152 صوتاً بالإضافة إلى 18 ورقةً باطلة ليصبح المجموع 170 صوتاً بدلاً من 197 و لكن الساعة كانت قد قاربت 10:54م فلم يعترض أو لم يلتفت أحد أصلاً!

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s