من كوالالمبور الى الموصل … والعودة من جديد

من كوالالمبور الى الموصل

النشرة العراقية

السبت، 20 أيلول، 2014

 

لم يكن الدكتور عزام قد وضع في حساباته انه سيكون في الحال الذي وصل اليه… فهو استاذ في جامعة الموصل ولاعوام طويلة مدرسا في كلية العلوم في الجامعة.

وقد اوفدته جامعة الموصل للحصول على الدكتوراه في الاختصاص النادر الذي كانت بحاجته، وفعلاً وصل الرجل الى ماليزيا وعمل بجد واجتهاد من اجل العودة الى البلد والى الاهل والاحبة والاصدقاء ..وفعلاً اكمل الدكتوراه بفترة اقل من المدة المحددة وعاد تاركاً ورائه العديد من فرص العمل التي اتيحت له.

وصل الى الموصل في شهر نيسان الماضي وبدأ بتجهيز البيت والاستعداد لبدأ حياته العملية من جديد بعد أكتساب مزيداً من الخبرة والعلم في اختصاصه النادر والذي كان محل ترحيب من كادر الجامعة.

ولكن سرعان مابدا الربيع بالانتهاء واقبل الصيف اللاهب مع كل مايحمله من ألام.

فقد كان شاهداً على ما حصل في نكسة (العاشر من حزيران)، وقد ذهل من التصرفات التي وصل اليها اصدقائه واحبائه. لم يكن ابدا حتى يحلم بان يشاهد كل تلك المشاهد المرعبة من القتل والتسليب والسرقات التي تعرضت لها المحلات والاسواق وحتى الجامعة و مختبراتها. حيث ان كل شيء اصبح كانه كابوس يتمنى ان ينتهي باسرع وقت ولكن الكابوس استمر .للاسف، حيث ان الاحداث بدأت تاخذ منحى اخر واشكال متعددة.

بتاريخ (25 تموز) أتصلت به والدته لتبلغه ان رجال المسلحين جائوا اليها وطلبوا منها مغادرة المنزل لانهم سيفجرون (جامع النبي يونس).

(جامع النبي يونس) الذي جاورته أمه أكثر من خمسة عقود. لخمسة عقود لم تخرج من منزلها الا وهي تنظر للجامع وتستعين بصاحب الحوت ليحفظها ويحفظ أهلها.

أغراب جائوا الى بيتها ليبلغوها بانهم سيفجرون هذا المرقد، لانه وفي شريعتهم “لايمكن ان يتعبد الناس باي مرقد او بناء يحتوي على قبر”

هرع عزام مع اخيه ليحمل العائلة المكونة من 8 افراد في سيارة واحدة، كان حصة قسم منهم حقيبة السيارة الخلفية والبقية كانهم كدس من اللحم في تلك الصفيحة… ومالبثوا ان وصلوا الى بيت خالته في حي السكر واذا بالانفجار الذي وصل صداه الى كل احياء الموصل التي خيم عليها الحزن والالم لما يحدث في مدينتهم، وكان رجل الموصل يونس ابن متى قد قتل هذا اليوم.

وخيم الحزن لايام طويلة تبعتها تساؤلات كثيرة وعلامات استغراب. لماذا تفجر الاضرحة والقبور؟ ومن المستفيد؟ ولماذا هذه اللهجة التي تغيرت بعد ان كان رجال الدولة الاسلامية يرحبون ويضحكون لاهل الموصل؟؟ لماذا كشروا عن انيابهم واظهروا وجهاً قبيحاً؟

وما لبثت الايام حتى وقع دكتور عزام في كارثة جديدة.

هذه المرة كانت الكارثة هي أتهامه بـ “التبعية للاجنبي”!

حيث قدم الى بيته مجموعة من رجال “الدولة” بزيهم الافغاني ولحاهم واشكالهم المرعبة وطلبوا لقاء الدكتور، وعند الموافقة على لقائهم أبتدأ الاستجواب

“متى خرجت والى اين؟” “متى رجعت؟” “ماذا جلبت معك؟” “لماذا لم تطلق لحيتك واصبحت حليق اللحية” “هل كنت في بلاد الغربة غير ملتزم بالشريعة الاسلامية”

السؤال الاخير كان من شخص مغربي الجنسية عرف عن نفسه بانه “ابو قتادة”

ذهل دكتور عزام لكل هذه الاسألة وأسبابها، وكانت اجابته بأنه كان ملتزما بالصلاة والجامع.

ثم تحولت الاسألة الى منحى أخر “ماهي الشهادة التي رجعت بها؟”.

وقبل أنهاء الاستجواب بادر الدكتور بسؤال كان السبب الاكبر في ماجرى له لاحقا، وهو السؤال عن مصير امام الجامع اللذي يصلي به في محلتهم في حي المالية بالموصل؟

لم يدرك الدكتور خطورة هذا السؤال حتى رأى ردة فعلهم التي بانت على وجوههم التي تغيرت معالمها، ليبادروه بموجة أسالة تحقيقية وبلهجة أشد “ماهي صلتك بالشيخ ومن اين تعرفه؟” “ولماذا تسأل عن مصيره؟”. فما كان من الدكتور الا الاجابة بان الشيخ أنسان جيد وسمعته طيبة وهو مقيم في المسجد منذ اكثر من 10 سنوات. هذا الجواب حول التحقيق الى سلسلة من الشتائم والكلام البذيء والتهديدات التي انتهت بأبلاغه بانهم سيعودون اليه في وقت لاحق.

لم ينتظرهم الدكتور لينفذوا وعدهم، فما أن خرجوا من البيت حتى اخرج زوجته وبناته الاربعة الى بيت والدته ومن هناك اتصل بصديق من ابناء اقليم كردستان يثق به بان ينقله الى اربيل وباقصى سرعة فطلب منه السائق ان يحضر حقيبة واحدة فقط ليلتقي به بعد ساعة وفعلا تم اللقاء بعد ساعة وانطلقت السيارة من دون وداع الى اربيل، التي بقي فيها اسبوع واحد ليكمل الحجز ويعود من جديد الى بلد الغربة الذي فارقه قبل اربعة اشهر.

“أصبحت الموصل هي بلد الغربة” هذا ما قاله لي دكتور عزام عندما التقيته في كوالالمبور وهو يبكي بكائاً شديداً.

ومع كل سؤال عن الموصل وحالها يجهش بالبكاء من جديد ويجيب “لا تسألوا عن الموصل، فانها ضاعت ولن تعود الا بقوة وقدرة الله حده”

ملاحظة: كتب هذه المقالة أحد زملاء دكتور عزام في مدينة كوالالمبور في ماليزيا حيث لجأ عزام اليها بعد هروبه من الموصل.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s